وقد ذكر التوحيديّ كلاماً في اختلاف امزجة الأمم وتباين طباعها، وتبعه ابن خلدونٍ بكلامٍ قريبٍ في مقدّمته، وأهل الفلسفة اخذوا يدرسون طباع كلّ أمّة حتى وقفوا على حدّها وجازوه، فذكروا الإفرنج، والروم، والعرب، والفرس، والصقالبة وغيرهم، وأكثروا في العرب حتى خلّطوهم، فزعم جماعةٌ منهم أن العرب يميلون إلى الروم، ويباينون الفرس، بشيءٍ، والعكس بغيره، وذكر غيرهم كلاماً لا يشابهه، وأبو حيّان لمّا فصّل في هذه الشعوب، أردف للعرب كلاماً عظيماً، وللفرس كلاماً لا يقلّ عنه، ولا أظنّك بعد العيان تفتّش عن بيان، فإنّا ما قرأنا في وصفهم ووصفنا إلا وجدناه، بل ما نظرناه الا وزدناه، وحسبك ما أورده الجوزيّ بسندٍ ضّعيف وأبي شيبة مدّعياً تصحيحه بأنّ الملائكة يفوهون الفارسيّة، وهم حملة العرش، وظاهرها لا يكون لفرض التجرّد، وقد يجوز من وجهٍ إجماله إن أصحاب المحمديّ لا يقولون إلا حقّاً، فنسبه إلى حملة العرش، أما العرب فإنّ فيهم خصلةٌ مذمومة تكون إذا غاب سائسهم، وتاه حارسهم، فيكون الجُبن قرينهم، وليس هذا في أصحاب سلمان، ولهم سياسة وفِراسة، وليس للعرب ذلك، وحسن منطقٍ وفلسفة، وأدب، ولولا اللغة لما أبقوا في العرب باقية، وإنّهم يعلون عليهم بالشّعر والنثر والرّقص، وغيره إما يسفلون أو يساوون، وما ذكرناه على تفاوتٍ، فإنّها وإن مازت، تجد العكس في إطالة النّظر، وحدّة الفكر.
-محمّد رضا الكوفيّ.
《مِن المجربات الشخصية في منهج القراءة أنّ الوقتُ الذي تستهلكه في قراءة الكتاب وأنتَ متفرغٌ عليه لا تقرنه بقراءات أخرى هو أخصر بكثير مِن مجموع الوقت الذي تستغرقه في قراءته مقرونًا بغيره؛ فلو أنك تنتهي مِن كتابين في شهرٍ تقرأهما على التوالي فإنك تنتهي منهما في شهرين -ربما- لو قرأتَهما على التوازي. إنّ أول ما تفعله موازاةُ كتابين فأكثر هو قطعُ خيط الفِكر، فتحتاج إلى الوصل في كلِّ رَجعة إلى الكتاب، وهذا يَستهلك قدرًا زائدًا من الزمن، فضلًا عن الزمن الزائد بالانتقالات ذاتها. ثم هي تزيد مِن احتمال التأجيل والانقطاع بزيادة مَرات الانتقال. فإذا كنتَ لابد مُراوحًا بين كتابين بقصد الاستجمام فباعِد بين الفَنَّين، واجعلهما من جنسين مختلفين ما أمكن، واجعَل أحدَهما أخفّ على النفس ما أمكن، وإلا ففي ذات الاختلاف مُراوحة》
أبو قيس
693
13
مُحمّد رضا الكوفيّ
۴ اردیبهشت ۱۴۰۵، ۱۳:۲۲
أمّا التَّبايُنُ وأقسامُهُ فقد ضاعَ المناطِقَةُ في بَيانِهِ، وتاهوا في كشفِ مَظانِّهِ، ولكنّا نُرسِلُ إليكَ مِن رُسُلِهِ بيانًا لازبًا فَتَعقَّلْهُ، حاصِلُهُ: إنَّهُم لَمّا اشتغلوا في تَعقيدِ الألفاظِ وسَبكِها وفَهمِ معانيها وحَبكِها، احتاجوا إلى تفصيلٍ شابَهُ تقصيرٌ، فقالوا: التَّبايُنُ إمّا تُلحَظُ فيه المِثليّةُ والاتّحادُ فهو التَّماثُلُ، وإمّا ضدُّ ذلك فهو التَّخالُفُ والتَّقابُلُ، وفي الأخيرين نُفرةٌ على تفاوتٍ أمّا الأوّلُ فاشتراكُ وجودَينِ في حقيقةٍ واحدةٍ، جنسيّةً كانت أو نوعيّةً، لِما قدَّمناهُ عليك؛ بأنّا نلحظُ فيه الوحدةَ والمِثليّةَ، ولا يكونُ ذلك بالأخيرين المذكورين، فأطالوا فيه الكلامَ حتّى ضاعَ فيه بعضُ الأنامِ فنقولُ: قالَ الشَّيخُ الرَّئيسُ إنَّ مثلَ هذا يحكمُهُ شيءٌ مِن العِشقِ يكونُ فيها لازمًا لها مِثلَ حقائقِها، إذ لا يَخلو موجودٌ منه، فيُلحَظُ هذا في المِثلين بوجهٍ، وبالأخيرين بوجهٍ آخرَ، وإلّا فاعتبارُ التَّماثُلِ بين موجودَينِ متغايرَينِ مِن حيثُ الذّاتِ لا يكونُ إلّا مِن شوقٍ يدفعُ كلًّا منهما إلى مماثِلِهِ، والأشياءُ بذواتِها مُشتاقةٌ إلى ما يُشاكِلُها، فتراها تميلُ إليه بحسبِ الطَّبعِ المُوجِبِ له، والنُّفرةُ ضدُّها والكلامُ فيها إجمالًا، وإلّا فإنَّكَ لو أطلتَ النَّظرَ لوجدتَ ضدَّ قولِنا بالتفصيلِ، لكنّا ضربنا عمّا نُريدُهُ كشحًا مخافةَ التطويلِ. وفي التَّخالُفِ حُبُّ الاجتماعِ للزومِهِ فيه اجتماعًا لا يلزمُ خُلفَهُ، والأخيرُ حكمتُهُ الكراهةُ، ومِن لوازمِها البُغضُ فقالوا: معنَيَانِ متنافرانِ -بالذّاتِ-، وفيه وجهٌ لا نرتضيه؛ فإنّا ما وجدنا معنىً يُنافرُ معنىً ذاتًا، وكلُّ النُّفرةِ تكونُ بالعَرَضِ لوجودِ حاجبٍ يُوصِلُ المحبّةَ إليه، فإن سُئلتَ عن حجابِهِ أجبناكَ بأنَّ الفرضَ ما ترومُهُ؛ فالفرضُ في التَّماثُلِ ميلُ الشّيءِ إلى غيرِهِ، والفرضُ في الثاني عدمُهُ.
-محمّد رضا الكوفيّ
من تقرير درس التباينِ وأقسامه