الفقرة السادسة: فائدة من كتاب الفوائد لشيخ الإسلام ابن القيم -رحمه الله-:
قَبولُ المحلِّ لما يُوضَعُ فيه، مشروطٌ بتفريغِهِ من ضِدِّه.
وهذا كما أنَّهُ في الذواتِ والأعيانِ؛ فكذلك هو في الاعتقاداتِ والإراداتِ:
فإذا كان القلبُ ممتلئًا بالباطلِ اعتقادًا ومحبَّةً، لم يَبقَ فيه لاعتقادِ الحقِّ ومحبَّتِهِ موضعٌ؛ كما أنَّ اللِّسانَ إذا اشتغلَ بالتكلُّمِ بما لا ينفعُ، لم يتمكَّن صاحبُهُ من النُّطقِ بما ينفعُه؛ إلا إذا فرَّغ لسانَهُ من النُّطقِ بالباطل.
وكذلك الجوارحُ: إذا اشتغلتْ بغيرِ الطاعة، لم يُمكنْ شغلُها بالطاعة، إلا إذا فرَّغَها من ضدِّها.
فكذلك القلبُ المشغولُ بمحبَّةِ غيرِ الله، وإرادتِهِ، والشوقِ إليه، والأنسِ به، لا يمكنُ شُغلُهُ بمحبَّةِ الله، وإرادتِهِ، وحبِّه، والشوقِ إلى لقائِهِ، إلا بتفريغِ تَعلُّقِه بغيرِه، ولا حركةُ اللسانِ بذِكرِهِ، والجوارحِ بخدمتِهِ،
إلا إذا فرَّغَها من ذِكرِ غيرِه وخدمتِهِ.
فإذا امتلأ القلبُ بالشُّغلِ بالمخلوق، والعلومِ التي لا تنفعُ، لم يَبقَ فيه موضعٌ للشُّغلِ بالله، ومعرفةِ أسمائِهِ وصفاتِهِ وأحكامِهِ.
وسرُّ ذلك أنَّ إصغاءَ القلبِ كإصغاءِ الأُذُنِ:
فإذا صَغَا إلى غيرِ حديثِ الله، لم يَبقَ فيه إصغاءٌ ولا فَهمٌ لحديثِهِ؛ كما إذا مالَ إلى غيرِ محبَّةِ الله، لم يَبقَ فيه ميلٌ إلى محبَّتِهِ؛ فإذا نَطَقَ القلبُ بغيرِ ذِكرِهِ، لم يَبقَ فيه محلٌّ للنُّطقِ بذِكرِهِ، كاللِّسانِ.
ولهذا، في الصحيحِ عن النبي ﷺ أنَّه قال:
"لأنْ يَمتلِئَ جوفُ أحدِكم قَيْحًا حتَّى يَريَهُ، خيرٌ له من أنْ يَمتلِئَ شِعرًا".
فبيَّن أنَّ الجوفَ يَمتلِئُ بالشِّعر.
فكذلك يَمتلِئُ بالشُّبَه، والشُّكوك، والخَيالات، والتقديراتِ التي لا وجودَ لها، والعلومِ التي لا تنفع، والمُفَاكَهاتِ، والمُضحِكاتِ، والحِكاياتِ، ونحوِها.
وإذا امتلأ القلبُ بذلك؛ جاءتْهُ حقائقُ القُرآن، والعِلمُ الذي به سعادتُه، فلم تجدْ فيه فراغًا لها، ولا قبولًا؛
فتعدَّتْهُ وجاوزتْه إلى محلٍّ سواه؛ كما إذا بُذِلَتِ النصيحةُ لقلبٍ ملآنٍ من ضِدِّها لا مَنفَذَ لها فيه،
فإنَّه لا يقبلُها، ولا تَلِجُ فيه، لكن تمرُّ مُجتازةً لا مُستوطِنَة.
ولذلك قيل:
نَزِّهْ فُؤادَكَ من سِوانا تَلقَنا
فجَنابُنا حِلٌّ لِكُلِّ مُنَزَّهِ
والصَّبْرُ طِلْسِمُ كَيْرِ وِصالِنا
مَن حَلَّ ذا الطَّلْسِمِ فازَ بِكَيْرِهِ
وبالله التوفيق.
فقرة يوم الأثنين ١٢ المحرم ١٤٤٧هـ
الفقرة مسموعة:
لأكون فصيحًا.
۱۵ اردیبهشت ۱۴۰۵، ۱۷:۰۸
نظراً لضغط المهام، ستكون فقرة "لأكون فصيحًا" كل يوم اثنين فقط، حتى إشعارٍ آخر.
شكرًا لصبركم.
الفقرة الخامسة: فائدة من كتاب الفوائد لشيخ الإسلام ابن القيم -رحمه الله-:
تأمَّلْ خِطابَ القُرآن؛ تَجِدْ مَلِكًا لهُ المُلكُ كُلُّه، ولهُ الحَمدُ كُلُّه، أَزِمَّةُ الأمورِ كُلُّها بيدِهِ، ومصدرُها منهُ، ومَرَدُّها إليه، مُستوِيًا على سريرِ مُلكِهِ، لا تَخفى عليهِ خافيةٌ في أقطارِ مملكتِهِ، عالِمًا بما في نُفوسِ عبيدِهِ، مُطَّلِعًا على إسرارِهم وعلانِيَّتِهِم، مُنفردًا بتدبيرِ المملكةِ، يسمعُ ويَرى، ويُعطي ويَمنَع، ويُثيبُ ويُعاقِب، ويُكرِمُ ويُهِين، ويَخلُقُ ويَرزُق، ويُميتُ ويُحيي، ويُقدِّرُ ويقضي ويُدبِّر، الأمورُ نازِلةٌ من عندِهِ دقيقُها وجَليلُها، وصاعدةٌ إليه، لا تَتحرَّكُ ذرَّةٌ إلا بإذنِهِ، ولا تَسقُطُ ورقةٌ إلا بعِلمِهِ.
فَتأمَّلْ: كيف تَجِدُهُ يُثني على نَفْسِهِ، ويُمجِّدُ نَفْسَه، ويَحمدُ نَفْسَه، ويَنصحُ عِبادَه، ويَدُلُّهم على ما فيهِ سعادتُهم وفلاحُهم، ويُرَغِّبُهم فيه، ويُحذِّرُهم ممّا فيه هلاكُهم، ويَتعرَّفُ إليهم بأسمائِهِ وصفاتِهِ، ويَتحبَّبُ إليهم بنِعَمِهِ وآلائِهِ، فَيُذكِّرُهم بنِعَمِهِ عليهم، ويَأمرُهم بما يَستوجِبونَ بهِ تَمامَها، ويُحذِّرُهم من نِقَمِهِ، ويُذكِّرُهم بما أعدَّ لهم من الكرامةِ إن أطاعوه، وما أعدَّ لهم من العقوبةِ إن عصَوه، ويُخبِرُهم بصُنعِهِ في أوليائِهِ وأعدائِهِ، وكيف كانت عاقبةُ هؤلاءِ وهؤلاء،
ويُثني على أوليائِهِ بصالحِ أعمالِهم، وأحسنِ أوصافِهم، ويَذُمُّ أعداءَهُ بسيِّءِ أعمالِهم، وقبيحِ صفاتِهم، ويَضرِبُ الأمثال، ويُنوِّعُ الأدِلَّةَ والبراهين، ويُجيبُ عن شُبَهِ أعدائِهِ أحسنَ الأجوبة، ويُصدِّقُ الصادقَ، ويُكذِّبُ الكاذبَ، ويقولُ الحقَّ، ويَهدي السبيلَ، ويَدعو إلى دارِ السلام، ويَذكُرُ أوصافَها، وحُسنَها، ونعيمَها، ويُحذِّرُ من دارِ البَوار، ويَذكُرُ عذابَها، وقُبحَها، وآلامَها، ويُذكِّرُ عبادَهُ فقرَهم إليه، وشدَّةَ حاجتِهم إليه من كلِّ وجهٍ، وأنَّهم لا غِنى لهم عنه طَرفةَ عينٍ، ويُذكِّرُهم غِناه عنهم وعن جميعِ الموجودات، وأنَّه الغنيُّ بنفسِهِ عن كلِّ ما سواه، وكلُّ ما سِواهُ فقيرٌ إليهِ بنفسِهِ، وأنَّه لا يَنالُ أحدٌ ذرَّةً من الخيرِ فما فوقَها إلا بفضلِهِ ورحمتِهِ، ولا ذرَّةً من الشرِّ فما فوقَها إلا بعدلِهِ وحِكمتِهِ.
ويَشهدُ من خِطابِهِ عتابَهُ لأحبَّابِهِ ألطفَ عِتابٍ، وأنَّه معَ ذلك مُقيلٌ عَثَراتِهم، وغافِرٌ زَلَّاتِهم، ومُقيمٌ أعذارَهم، ومُصلِحٌ فَسادَهم، والدافعُ عنهم، والمُحامي عنهم، والناصِرُ لهم، والكفيلُ بمَصالِحِهم، والمُنجِي لهم من كلِّ كَربٍ، والموفِي لهم بوعدِهِ، وأنَّه وليُّهُم الذي لا وليَّ لهم سِواه؛ فهو مَولاهم الحقُّ، ونَصيرُهم على عدوِّهم، فنِعْمَ المَولى، ونِعْمَ النصير.
فإذا شَهِدتِ القلوبُ من القُرآن مَلِكًا عظيمًا، رحيمًا، جَوَادًا، جميلًا، هذا شأنُه؛ فكيف لا تُحِبُّه؟! وتُنافِسُ في القُربِ منه؟! وتُنفِقُ أنفاسَها في التودُّدِ إليه؟!
ويكونُ أحبَّ إليها من كلِّ ما سواه، ورِضاهُ آثَرَ عندَها من رِضى كلِّ ما سِواه؟!
وكيف لا تَلهَجُ بذِكرِهِ؟! ويصيرُ حُبُّه، والشَّوقُ إليه، والأنسُ به، هو غِذاءَها، وقُوتَها، ودواءَها؟!
بحيثُ إنْ فَقَدَتْ ذلك؛ فَسَدَتْ، وهَلَكَتْ، ولم تَنتفِعْ بحَياتِها؟!
فقرة يوم الجمعة ٩ المحرم ١٤٤٧هـ
الفقرة مسموعة:
لأكون فصيحًا.
۱۵ اردیبهشت ۱۴۰۵، ۱۷:۰۸
الفقرة الرابعة: فائدة من كتاب الفوائد لشيخ الإسلام ابن القيم -رحمه الله-:. أنزهُ الموجوداتِ، وأطهرُها، وأنورُها، وأشرفُها، وأعلاها ذاتًا وقدرًا، وأوسعُها: عرشُ الرحمنِ جلَّ جلالُه. ولذلك صَلُح لاستوائِهِ عليه. وكلُّ ما كان أقربَ إلى العرش؛ كان أنوَرَ، وأنزَهَ،…
143
1
0
لأكون فصيحًا.
۱۵ اردیبهشت ۱۴۰۵، ۱۷:۰۸
تأخّرنا اليوم في نشر الفقرة بسبب طارئ بسيط، سننشرها غدًا -بإذن الله- في وقتها المعتاد.
شكرًا لرفقتكم وصبركم.
199
0
0
لأكون فصيحًا.
۱۵ اردیبهشت ۱۴۰۵، ۱۷:۰۸
الفقرة الرابعة: فائدة من كتاب الفوائد لشيخ الإسلام ابن القيم -رحمه الله-:.
أنزهُ الموجوداتِ، وأطهرُها، وأنورُها، وأشرفُها، وأعلاها ذاتًا وقدرًا، وأوسعُها: عرشُ الرحمنِ جلَّ جلالُه.
ولذلك صَلُح لاستوائِهِ عليه.
وكلُّ ما كان أقربَ إلى العرش؛ كان أنوَرَ، وأنزَهَ، وأشرفَ ممَّا بَعُدَ عنه.
ولهذا كانتْ جنَّةُ الفردوسِ أعلى الجِنانِ، وأشرفَها، وأنورَها، وأجلَّها؛ لقُربِها من العرش، إذْ هو سَقْفُها.
وكلُّ ما بَعُدَ عنه كان أظلَمَ، وأضيقَ. ولهذا كان أسفَلَ سافلينَ شَرَّ الأمكنةِ، وأضيقَها، وأبعدَها من كلِّ خيرٍ.
وخَلَقَ اللهُ القلوبَ، وجعلَها مَحلًّا لمعرفتِه، ومحبَّتِه، وإرادتِه؛ فهي عرشُ المثلِ الأعلى، الذي هو معرفتُه، ومحبَّتُه، وإرادتُه.
قال تعالى:
﴿ لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ مَثَلُ السَّوْءِ وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ﴾ [النحل: ٦٠]،
وقال تعالى:
﴿ وَهُوَ الَّذِي يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ﴾ [الروم: ٢٧]،
وقال تعالى:
﴿ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ﴾ [الشورى: ١١].
فهذا من المثلِ الأعلى، وهو مُستوٍ على قلبِ المؤمنِ؛ فهو عرشُه.
وإنْ لم يكن أطهرَ الأشياء، وأنزَهَها، وأطيبَها، وأبعدَها من كلِّ دنسٍ وخبثٍ؛ لم يصلُح لاستواءِ المثلِ الأعلى عليه: معرفةً، ومحبَّةً، وإرادةً.
فاستوى عليه مَثلُ الدنيا الأسفل، ومحبَّتُها، وإرادتُها، والتعلُّقُ بها؛ فضاق، وأظلم، وبَعُدَ من كمالِه وفلاحِه.
حتى تعودَ القلوبُ على قلبين:
قلبٌ هو عرشُ الرحمنِ؛ ففيه النورُ، والحياةُ، والفرحُ، والسرورُ، والبهجةُ، وذخائرُ الخير.
وقلبٌ هو عرشُ الشيطانِ؛ فهناك الضيقُ، والظُّلْمةُ، والموتُ، والحُزنُ، والغمُّ، والهمُّ؛
فهو حزينٌ على ما مضى، مهمومٌ بما يُستَقبَل، مغمومٌ في الحال.
وقد روى الترمذيُّ وغيرُه عن نبيِّ الله ﷺ أنَّه قال:
"إذا دخلَ النُّورُ القلبَ، انفسحَ وانشرح".
قالوا: فما علامتُه ذلك يا رسولَ الله؟
قال: "الإنابةُ إلى دارِ الخلودِ، والتجافي عن دارِ الغرور، والاستعدادُ للموت قبل نُزولِه".
والنورُ الذي يدخلُ القلبَ، إنما هو من آثارِ المَثَلِ الأعلى؛ فلذلك ينفسحُ وينشرحُ، وإذا لم يكنْ فيه معرفةُ اللهِ ومحبَّتُه؛ فحظُّه الظُّلْمةُ والضِّيقُ.
فقرة يوم الأثنين ٥ المحرم ١٤٤٧هـ
الفقرة مسموعة: